
تُعد منظمة التعاون الإسلامي ثاني أكبر منظمة دولية بعد الأمم المتحدة، حيث تضم في عضويتها 57 دولة موزعة على أربع قارات. وأُنشئت المنظمة تحت اسم ( منظمة المؤتمر الإسلامي ) بقرار صادر عن القمة التاريخية التي عُقدت في مدينة الرباط بالمملكة المغربية في 12 من رجب 1389 هجرية (الموافق 25 من سبتمبر 1969 ميلادية) ردًا على جريمة إحراق المسجد الأقصى في القدس المحتلة. وتمثل المنظمة "الصوت الجماعي للعالم الإسلامي" وتهدف إلى حماية مصالحه وضمان السلم والأمن الدوليين ووفقًا لميثاقها تسعى المنظمة إلى تحقيق عدد من الأهداف تتمثل في تعزيز ودعم أواصر الأخوة والتضامن بين الدول الأعضاء، وضمان المشاركة الفاعلة للدول الأعضاء في عمليات اتخاذ القرار على المستوى العالمي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لضمان مصالحها المشتركة، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول الإسلامية من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها، ، وحماية صورة الإسلام الحقيقية والدفاع عنها والتصدي لتشويه صورة الإسلام، وتشجيع الحوار بين الحضارات والأديان. ويبرز مبدأ حل النزاعات بالطرق السلمية كأحد أهم المبادئ التي تقوم عليها منظمة التعاون الإسلامي .
لقد أشرف على تسيير المنظمة منذ تأسيسها 13 أمينا عاما هم السادة : تونكو عبد الرحمان من ماليزيا ، وحسن التهامي من مصر ، وأمادو كريم غابي من السينغال ، والحبيب الشطي من تونس ، وسيد شريف الدين بير زاده من باكستان ، وحامد الغابد من النيجر ، وعز الدين العراقي من المغرب ، وعبد الواحد بلقزيز من المغرب ، وأكمل الدين أحسان أوغلو من تركيا ، وإياد أمين مدني من السعودية ، ويوسف بن أحمد العثيمين من السعودية ، وحسين إبراهيم طه من تشاد ، وحاليا منذ شهر أغسطس 2026 اسماعيل ولد الشيخ أحمد من موريتانيا . وهو ديبلوماسي ووزير الشؤون الخارجية والتعاون سابق حاصل على درجة في الاقتصاد من جامعة مونبلييه الفرنسية، وماجستير في تنمية الموارد البشرية من جامعة مانشستر البريطانية، وشهادة متقدمة في الاقتصاد وتحليل السياسات الاجتماعية من كلية ماستريخت للدراسات العليا للحوكمة. وتتميز حياته المهنية بمسار غني ومتنوع على مدى ثلاثة عقود شغل خلالها مناصب رفيعة في منظومة هيئة الأمم المتحدة ، منسقاً مقيماً ومنسقاً للشؤون الإنسانية وممثلاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووسيطا بين أطراف النزاع في سوريا واليمن وليبيا .
وفي أول خطاب له استعرض الأمين العام الجديد لمنظمة التعاون الإسلامي الخطوط العريضة لرؤيته وبرنامج عمله ، وأكد أنه يشعر «بإحساس عميق بجسامة المسؤولية وثقل الأمانة»، مشيرا إلى أنه يستحضر آمال ما يقارب ملياري مسلم ومسلمة يتطلعون إلى منظمة أكثر حضوراً، وأقوى تأثيراً، وأقدر على خدمة قضاياهم. وربط تعزيز تأثير المنظمة بحسن استثمار الثقل الذي تمثله دولها وما تملكه من موارد بشرية وطبيعية واقتصادية كبيرة، وأن أغلب سكانها من الشباب. وأوضح في خطابه أن الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء يقارب، وفق الأرقام التي أوردها، 30 تريليون دولار، معتبراً أن هذه المعطيات تمنح المنظمة مسؤولية كبيرة، إلى جانب فرصة تاريخية لتعزيز دورها وتأثيرها. وشدد على أن الرهان يكمن في حسن توظيف هذه المقومات، في عالم يشهد تغيراً في موازين القوى، وتسارعاً في التحولات التكنولوجية، وتنامياً لأثر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، فيما يواجه النظام متعدد الأطراف تحديات متزايدة. وأعلن أنه لا ينظر إلى المستقبل بمنطق التوجس، وإنما بمنطق الأمل، ومن منظور التفاؤل.
ومما يثير الانتباه في خطابه التصريح بأن القضية الفلسطينية ستظل في صدارة أولويات منظمة التعاون الإسلامي ، وأن الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية والدفاع عن حرمة القدس الشريف، سيظل التزاماً ثابتاً لا يتغير.كما تعهّد بتعزيز جهود المنظمة في مكافحة الإسلاموفوبيا، ومواجهة خطاب الكراهية، وترسيخ الحوار والاحترام المتبادل، وبناء شراكات أوسع مع المجتمع الدولي.
وباستحضار واقع منظمة التعاون الإسلامي في السنوات الماضية تؤكد دراسات وتقارير عديدة أنها تواجه تحديات كثيرة ومتنوعة. فعلى الرغم من الثقل البشري والجغرافي والاقتصادي الهائل للدول الأعضاء، إلا أن فاعلية المنظمة تواجه عقبات وتحديات هيكلية وسياسية عميقة من بينها اعتماد قرارات مؤتمراتها في الغالب على صيغ "التوافق" والبيانات السياسية والإدانات الرمزية، والافتقار إلى صفة الإلزام القانوني أو التنفيذي، لعدم وجود آليات ردع أو فرض قرارات صارمة ، منها على سبيل المثال عدم وجود محكمة عدل إسلامية ذات صلاحيات سيادية وإلزامية نافذة. كما تعاني المنظمة من انعكاسات الصراعات البينية والخلافات السياسية الحادة بين بعض الدول الأعضاء، وتضارب الأجندات الوطنية والاستراتيجية، مما يجعلها أحياناً رهينة لتوازنات المحاور الإقليمية والدولية، ويضعف قدرتها على التدخل السريع والفعال لفض النزاعات الداخلية في العالم الإسلامي. من جهة أخرى تواجه المنظمة تحدياً مستمراً في التصاعد المستمر لخطابات الكراهية والإسلاموفوبيا في الغرب، وتحديات التطرف والإرهاب الداخلي الذي يضرب استقرار العديد من دول العالم الإسلامي، مما يتطلب استراتيجيات إعلامية وفكرية أكثر استباقية وقوة.
ورغم تشابك وصعوبة هذه التحديات ، تظل منظمة التعاون الإسلامي إطاراً استراتيجياً ضرورياً لا غنى عنه لجمع كلمة المسلمين، إلا أن تفعيل دورها المنشود بات يقتضي –بحسب مراقبين وخبراء– "قفزة إصلاحية" وجريئة تعزز الاستقلالية المؤسسية، وتمنح الأمانة العامة صلاحيات أوسع، وتسمو بالمصالح العليا للأمة فوق الخلافات السياسية الظرفية، لتتحول من تجمع ديبلوماسي استشاري إلى كيان إقليمي فاعل ومؤثر في صنع القرار الدولي. فهل يستطيع السيد اسماعيل ولد الشيخ أحمد المسلح بخبرة كبيرة في مجال العمل الديبلوماسي والأممي تحقيق هذه القفزة الاصلاحية وهو الخبير في تحليل الأزمات واقتراح الحلول المناسبة لها .
مما هو متفق عليه اليوم أن النظام والواقع الدولي شهد تحولات عميقة بحيث أصبحت المنظمات الدولية والإقليمية ومؤسساﺗﻬما تلعب فيه دوراً ملحوظاً . وفي ما يتعلق باختصاصات منظمة التعاون الإسلامي يمكن لها أن تواصل جهودها من منظور جديد ومتطور في مجالين أثنين :
مجال حقوق الأقليات المسلمة : مازالت كثير من وسائل الإعلام التقليدية والجديدة في الغرب تنشر صوا وسرديات نمطية سيئة عن الإسلام والمسلمين ، في تناقض صارخ مع مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات والإعلانات الدولية ذات الصلة باحترام التنوع الثقافي ، وتعزيز الحوار بين الحضارات ، ومنع الإساءة للأديان ومقدساتها. وكان من نتائج هذه الحملة الإعلامية الشرسة ، تعرض الأقليات المسلمة في العالم للتمييز الديني والعرقي. ومن الاجراءات التي يمكن القيام بها لمواجهة هذا المشكل القانوني والحقوقي والإنساني ، خيار اللجوء إلى القضاء، خاصة وأن الوثائق الدولية لحقوق الإنسان تزخر بالأحكام الخاصة التي يتاح للأقليات والجاليات المسلمة الاستناد عليها بغية اللجوء إلى القضاء الدولي من أجل ردع المسيئين لهم ولدينهم . لقد تناولت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1965، اجراءات الشكوى والجهات المختصة للنظر فيها. وهذه إمكانية لم تستغلها بعد جيدا الدول الإسلامية بتنسيق مع منظمة التعاون الإسلامي ،والتي غالبا ما تنتهك حقوقها تحت مبرر حرية الرأي والتعبير. لقد تعززت اليوم شرائع حقوقية ذات طابع دولي تجعل من حقوق الأقليات موضوعا رئيسياً لها ، كما تجعل من قضية الأقليات سببا للتدخل من أجل حمايتها والتأثير علي القرار السياسي للدول التي تعيش فيها تلك الأقليات. ففي ظل التحولات التي حدثت في العلاقات الدولية أصبح هناك دور كبير ومتعاظم للمنظمات الدولية حيث أصبحت لاعباً أساسياً وفاعلاً في الساحة العالمية ، ومنظمة التعاون الإسلامي باعتبارها المنظمة الدولية الثانية يمكنها أن تبلور رؤية دولية للأقليات المسلمة كما يمكنها تلعب دوراً بارزاً في مجال دعم وحماية حقوق الأقليات المسلمة من خلال الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان .
مجال محاربة كراهية الإسلام والإسلاموفوبيا: لقد نجحت بعض الأحزاب اليمينية حول العالم في توظيف الكراهية ضد الإسلام لزيادة حظوظها في الوصول إلى السلطة، مما أدى إل تصاعد مقلق ومتواصل لظاهرة الكراهية والإسلاموفوبيا . كما دأبت كثير من وسائل الإعلام التقليدية والجديدة في الدول الغربية على ترويج خطاب الكراهية من خلال إذكاء ظاهرة الإسلاموفوبيا في علاقتها بالإساءة للدين الإسلامي ورموزه ومقدساته بما نشرته ومازالت تنشره من محتويات نمطية حول المسلمين، وحول الإسلام الذي تنعته بدين الإرهاب. لذلك بدأت الدعوات تتصاعد من داخل الأمم المتحدة وفي مجلس حقوق الإنسان، من أجل وضع قانون دولي ملزم لردع ولمنع انتشار هذه الظاهرة، ينسجم مع مقتضيات احترام الأديان. وبتاريخ 11 أبريل 2011 صدر قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 65/224 بشأن مناهضة تشويه صورة الأديان. وفي اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة الأمم المتحدة عام 2022 تم اعتماد يوم 15 مارس من كل سنة يوما دوليا لمكافحة كراهية الإسلام .
في هذا السياق من المهم الإشارة إلى أن ظاهرة الإسلاموفوبيا وكراهية الإسلام تحظى باهتمام منظمات إسلامية أخرى في طليعتها رابطة العالم الإسلامي ومنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ( الإيسيسكو ) مما يقتضي من منظمة التعاون الإسلامي في عهد أمينها العام الجديد مواصلة تعزيز التعاون الإسلامي المشترك في هذا المجال وفق رؤية مبتكرة ومتجددة.
وإذا كان مرصد الإسلاموفوبيا التابع لمنظمة التعاون الإسلامي يقوم بمهامه التوثيقية على أحسن وجه وبانتظام ، فذلك ليس كافيا لتحقيق نتائج عملية وملموسة في مواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية ضد الإسلام والمسلمين . ولعل الأمانة العامة للمنظمة بقيادة السيد اسماعيل ولد الشيخ أحمد وفي إطار رؤيتها الجيدة أن تعالج الظاهرة من منظور إعلامي مستنير، ومن منطلق قانوني وحقوقي:
1-المنظورالإعلامي: تطوير الخبرات والمهارات المهنية والتقنية للصحافيين العاملين في المؤسسات الإعلامية داخل العالم الإسلامي وخارجه، وإغناء ثقافتهم القانونية وتمكينهم من التقنيات الجديدة في الإعلام والاتصال من تصحيح الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين في إطار القوانين والأعراف والاتفاقيات الدولية المرتبطة بحرية الرأي والتعبير وأخلاقيات الصحافة وعدم الازدراء بالأديان.
2-المنطلق القانوني والحقوقي : الاستثمار الأمثل والمتجدد للاهتمام الدولي المتزايد بالجوانب القانونية لظاهرة الإسلاموفوبيا والإساءة للأديان، من خلال تنفيذ الأنشطة الهادفة إلى التوعية بضرورة إحداث التوازن بين حرية التعبير واحترام المقدسات الدينية، والتنسيق مع المنظمات الدولية الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، وحثها على تفعيل المواثيق، والعهود والاتفاقيات، والإعلانات والقرارات، والقوانين الوطنية والدولية، المؤكدة للحدود الفاصلة بين حرية الرأي والتعبير، وبين مختلف التجاوزات والإساءات إلى الأديان التي يتم ارتكابها من طرف وسائل الإعلام تحت غطاء حرية الرأي والتعبير.
__________
د. المحجوب بنسعيد
باحث في الاتصال والحوار الحضاري



.jpg)
