
بدعوة من جامعةُ "نيويورك"، ألقى فضيلةَ الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى ،الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، رئيسَ هيئة علماء المسلمين، يوم 16 مايو الجاري محاضرةٍ حول موضوع "الذكاء الاصطناعي" وخطاب الكراهية في منصات التواصل الاجتماعي." وكانت هذه المحاضرة أرضية لمناقشة عدد من التحديات التي يطرحها اليوم استخدام الذكاء الاصطناعي، خاصة ما يتعلق بترويج خطاب الكراهية عَبر منصات التواصل الاجتماعي. كما تم تبادل وجهات النظر حول الدَّور التضامني لمؤسسات المجتمع في مواجهة هذه التحديات والمخاطر وفي مقدمتها دور القيادات الدينية في مكافحة هذا الخطاب . وقدم فضيلة الشيخ العيسى في محاضرته تشخيصا دقيقا لأسباب هذه التحديات ومخاطرها وسبل علاجها ، استنادًا إلى نتائج استطلاعاتٍ ودراساتٍ شاملة. وأبرز أن توليد المحتوى تلقائيًّا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يتضمن مضامين تمييزية أو تحريضية .
وتمحور النقاش في هذا اللقاء العلمي حول التضخيم الرقمي للمحتوى من خلال الحسابات الآلية والمنسقة التي تُسهم في توسيع انتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، والتلاعب بالمحتوى السمعي والبصري باستخدام تقنيات "التزييف العميق" ، التي قد تُستغلّ في تشويه الأفراد أو الجماعات وإثارة العداء ضدهم، وكذا تأثير خوارزميات التوصية الرقمية في تعزيز المحتوى الاستفزازي أو المتطرف نتيجةَ ارتفاعِ مُعدّلات التفاعل معه. وأكد فضيلة الشيخ العيسى أن توظيف الذكاء الاصطناعي في تعزيز خطاب الكراهية يثير تحليلاً قانونيًّا دقيقًا يتمثّلُ في تحقيق التوازن بين ضمان حرية التعبير ضمن نطاقها المشروع، وحماية المجتمع من المحتوى التحريضي، مع تحديد المسؤولية القانونية للفاعلِين الرقميين والمنصات التقنية. وهو موقف ينسجم مع ما ورد في كلمته في افتتاح أعمال الملتقى الدولي حول تحالف الحضارات الذي عقد بمدينة فاس يوم 27 أبريل 2026 تحت شعار “مستقبل الحضارة الإنسانية في ظل الذكاء الاصطناعي” ، حيث أكد على ضرورة أن تكون ثورة الذكاء الاصطناعي على وصف أخلاقي موحَّد وفق مشترَكنا الإنساني. وقدم رؤية شاملة في هذا الصدد تضمَّنت التأكيد على تحديد قيَم متفق عليها قبل إنشاء أنظمة الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في المعلومات المتعلقة بالأديان أو الأعراق أو الثقافات؛ للحيلولة دون تحوُّل هذا الذكاء إلى أداة سلبية في الترويج لمفاهيم الكراهية والعنصرية أو دعم نظريات الصدام والصراع الحضاري..
لقد دأبت كثير من وسائل الإعلام التقليدية والجديدة في الدول الغربية على ترويج خطاب الكراهية من خلال إذكاء ظاهرة الإسلاموفوبيا في علاقتها بالإساءة للدين الإسلامي ورموزه ومقدساته بما نشرته ومازالت تنشره من محتويات نمطية حول المسلمين، وحول الإسلام الذي تنعته بدين الإرهاب. لذلك بدأت الدعوات تتصاعد من داخل الأمم المتحدة وفي مجلس حقوق الإنسان، من أجل وضع قانون دولي ملزم لردع ولمنع انتشار هذه الظاهرة، ينسجم مع مقتضيات احترام الأديان. وبتاريخ 11 أبريل 2011 صدر قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 65/224 بشأن مناهضة تشويه صورة الأديان ، وخاصة التوصية رقم 16 التي تحث جميع الدول على القيام ، في إطار نظمها القانونية والدستورية ، بتوفير الحماية الكافية من جميع أعمال الكراهية والتمييز والتخويف والإكراه الناجمة عن الحط من شأن الأديان وعن التحريض على الكراهية الدينية عموما . وفي اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة الأمم المتحدة عام 2022 تم اعتماد يوم 15 مارس من كل سنة يوما دوليا لمكافحة كراهية الإسلام . ونص القرار الأممي على ضرورة تنظيم ودعم مختلف الأحداث البارزة التي تهدف إلى زيادة الوعي بفاعلية على جميع المستويات في مكافحة الإسلاموفوبيا.
رغم ذلك تصاعدت ظاهرة الكراهية لأسباب عديدة منها الانتشار الواسع لاستعمال تكنولوجيا الإعلام الجديد التي أصبحت لدى الجماعات المتطرفة، أداة خطيرة للتحريض على الآخر،وتغليط الرأي العام ، وإحداث الفتن في المجتمعات، وترويج خطاب الكراهية والتمييز العنصري، ونشرالأفكار المتطرّفة باسم مساحات الحرّية المتاحة ذات الصلة بحق التعبير وإبداء الرأي.
لكن مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي والانتشار الواسع لاستعماله ، أصبح خطاب الكراهية مصدر قلق متزايد فى السنوات الأخيرة لدى المؤسسات الرسمية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية ومراكز البحث. وإذا كانت حرية التعبير تعد من حقوق الإنسان الأساسية وتعتبر عنصراً أساسياً لبناء مجتمعات مستقرة وآمنة وديمقراطية ، إلا أن خطاب الكراهية على عكس ذلك يسئ للأفراد والجماعات وينتقص من آدميتهم بالاستناد إلى القولبة النمطية وشيطنة الآخر وتعريضه للخطر والمفاهيم الخاطئة المتعلقة فى أغلب الأحيان بالأصل العرقى أو الدين أو الانتماء السياسى بما يتعارض مع قيم الديمقراطية والتعددية الثقافية ويتناقض مع أهداف التربية الرئيسية المتمثلة بتكوين مواطن صالح ومتسامح ومتعايش مع محيطة الاجتماعي.
ونتيجة الاستعمالات المكثفة لتقنيات الدكاء الاصطناعي ، تحول النقاش حول حدود حرية التعبير من مجرد نقاش قانوني وحقوقي تقليدي إلى تحدٍ تقني وفلسفي معقد، لأن الذكاء الاصطناعي غير طبيعة "التعبير" نفسه؛ فلم يعد الأمر يتعلق بأشخاص ذاتيين يعبرون عن آرائهم، بل عن خوارزميات تضاعف الأصوات، ونماذج توليدية تصنع واقعاً بديلاً ، مما ساهم في ظهور تحديات جديدة ومعضلات عويصة تطرح السؤال حول موائمة المرجعيات القانونية والأخلاقية لحرية التعبير للتطورات والتحديات الجديدة الناتجة عن استعمال الذكاء الاصطناعي .
في الاتحاد الأوروبي،على سبيل المثال، وضع المشرعون قانون الذكاء الاصطناعي (EU\,AI\,Act) يتضمن قواعد صارمة للتعامل مع تقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، نظراً لخطورتها العالية على السلم الاجتماعي والعمليات الديمقراطية. لكن هذا القانون لم يمنع تقنية التزييف العميق بشكل مطلق، ولكنه فرض عليها قيوداً صارمة بناءً على سياق الاستخدام ، حيث يلزم هذا القانون أي جهة أو مستخدم يقوم بتوليد أو تعديل محتوى (صور، صوت، أو فيديو) يظهر أشخاصاً أو أحداثاً تبدو حقيقية وهي ليست كذلك، بأن يعلن بشكل واضح وجلي أن هذا المحتوى "مُولد أو مُعدل صناعياً". ونص القانون المذكور على عقوبات مالية رادعة وضخمة تفرض على الشركات المطورة، أو الجهات المزودة، أو الشركات التي توفر المنصات لنشر هذا المحتوى دون رقابة، وتُحسب العقوبات بناءً على حجم الشركة العالمية . لكن رغم صرامة هذا القانون، يظل التحدي الأكبر في الإنفاذ، لأنه بإمكان صناع المحتوى المضلل أو المحرض على الكراهية استخدام برمجيات مفتوحة المصدر وبث مقاطع التزييف العميق من خارج النطاق الجغرافي للاتحاد الأوروبي، مما يضع عبء المراقبة والحظر الفوري على كاهل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي العالمية.
وفي الجانب الأخلاقي يمثل المنظور الإسلامي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي إطاراً حيوياً وشاملاً؛ فهو لا ينظر إلى التقنية باعتبارها مجرد أدوات صماء، بل يربطها بالغاية من الوجود الإنساني وهو "الاستخلاف في الأرض" و*"عمارة الكون" . وتنطلق الرؤية الإسلامية من قاعدة أن الأصل في الأشياء والابتكارات الإباحة، ما لم تتضمن ضرراً؛ ولذلك يتم تأصيل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي عبر أدوات التشريع المقاصدي والقواعد الفقهية الكلية. و يتطلع المفكرون والفقهاء المعاصرون إلى صياغة مواثيق تقنية تنطلق من هذه الأصول، لتقدم للعالم نموذجاً يدمج بين الكفاءة المادية والسمو الأخلاقي؛ نموذجاً يضمن ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لاستعمار العقول أو استعباد الشعوب، بل وسيلة لخدمة الإنسانية وتحقيق العدالة المستمدة من قيم الوحي. ولذلك حظي مفهوم "الميثاق الإسلامي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي" باهتمام مؤسسي وفقهي متزايد، حيث تداعت مجامع فقهية ومنظمات دولية إسلامية (مثل منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة - إيسيسكو، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي) لصياغة وثائق استراتيجية تترجم المبادئ والنظريات الفقهية إلى بند عملي وإرشادي يمكن للمبرمجين، والشركات، والمشرّعين الاعتماد عليه.
لهذه الاعتبارات كانت محاضرة الشيخ العيسى حول الذكاء الاصطناعي وخطاب الكراهية في جامعة نيويورك مهمة جدا ومتفاعلة مع معضلات استعمال الذكاء الاصطناعي في جانبها التقني والقانوني والأخلاقي . واتضح أن رابطة العالم الإسلامي تواكب المستجدات الطارئة وتأثيراتها على قيم السلم والتسامح والتعايش والأمن والاحترام المتبادل ، وتسعى للمساهمة في ايجاد الحلول المناسبة للتحديات التي تهدد البشرية . كما أن المحاضرة تندرج في إطار مشروع متكامل لرابطة العالم الإسلامي يستند في رؤيته على توجهات ومبادئ وثيقة مكة المكرمة ،التي كانت شاملة لمجالات متعددة ومتكاملة تمحورت حول سعادة الإنسان واحترام كرامته وحقوقه ، ودعت إلى سن التشريعات الرادعة لمروجي الكراهية، والمحرضين على العنف والإرهاب والصدام الحضاري على مستوى العالم الإسلامي والدولي، والتصدي لانتهاك حقوق الإنسان في مفهومها الشامل، ومكافحة الإرهاب ومحاربة الأفكار المتطرفة والغلو والعنف، ومعالجة الانهيار القيمي والأزمات الأخلاقية والاجتماعية والبيئية التي تعاني منها البشرية نتيجة سلبيات العولمة ، وتعزيز تفاعل العالم الإسلامي مع المجتمع الدولي من خلال التواصل وبناء جسورالمحبة والوئام الإنساني والتصدي للتخويف من الإسلام ) الإسلاموفوبيا( والصور النمطية المتبادلة والكراهية والتمييز العنصري.
ومن جهة أخرى ، تكتسي المحاضرة أبعادا إنسانية وحضارية لأنها تندرج في سياق تنفيذ مشروع فكري عالمي كان من أبرز محطاته توقيع اتفاقية شراكة وإطلاق "المعمل الدولي للأديان" مع جامعة كولومبيا العريقة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، بهدف بناء القدرات المضادة لمفاهيم الكراهية والعنف والصدام الحضاري، وإطلاق حملة دولية للمطالبة بحظرمروّجي التخويف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) والمحتوى المسيئ للإسلام عبر منصات التواصل الاجتماعي.
_________
لمحجوب بنسعيد / الشبكة الدولية للصحافيين العرب والأفارقة



.jpg)
