دور النخبة في زمن الانحدار القيمي في الفضاء الرقمي | صحيفة السفير

دور النخبة في زمن الانحدار القيمي في الفضاء الرقمي

خميس, 29/01/2026 - 13:22

لماذا أصبح اهتمام الرأي العام منصبًّا على التفاهات التي تروّج لها وسائل التواصل الاجتماعي، على حساب كل ما يمكن أن يفيد الوطن والمواطن؟ ولماذا هذا الانشغال المتزايد بحياة الأشخاص الخاصة ونجاحاتهم وإخفاقاتهم، حتى تحولت إلى شأن عام يطغى على القضايا الوطنية الكبرى؟

أسئلة مشروعة تفرض نفسها في ظل مشهد إعلامي واجتماعي باتت تتحكم فيه منصات افتراضية يقودها رواد غير معنيين بالشأن العام، ومع ذلك نجحوا في التأثير على الرأي العام، والتلاعب بالقيم والأخلاق والعادات والتقاليد، بل وتجاوزوا الحدود الأخلاقية والقانونية عبر استباحة الخصوصيات والتشكيك في مؤسسات الدولة.

لقد تحولت قضايا هامشية إلى «أحداث كبرى» تُغطي على الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجوهرية، وتُغيّب الإنجازات الوطنية، في وقتٍ يسيطر فيه الإفلاس الفكري على جزء كبير من متصفحي هذه الفضاءات، كما أضعفت نسبيا المنظومة القيمية التي شكّلت تاريخيًا صمام أمان المجتمع.

وفي سياق متصل، جرى عزل المواطن عن اهتماماته الوطنية الأساسية، بما في ذلك حقوقه وواجباته، ليصبح الرأي العام موجَّهًا من منصات يديرها أفراد يقدّمون أنفسهم كلاجئين، سعيًا وراء امتيازات قانونية أو اجتماعية، بينما يمارسون في الداخل أدوارًا مؤثرة دون أي مراعات لثوابت المجتمع وقيمه

أما الساحة السياسية، فقد تحولت إلى فضاء للتجاذبات العنصرية، وبيئة خصبة للتطرف والانتهازية، وسوقًا مفتوحة للمتاجرة بالوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية، بدل أن تكون مجالًا للنقاش المسؤول والبناء. والسؤال الأهم هنا: لماذا لا تُسخَّر هذه الطاقات، مهما كانت حدّتها، في خدمة بناء الوطن وتطويره وتعزيز أمنه واستقراره؟

الأخطر من ذلك أن هذه الفضاءات تؤثر على المواطن من حيث لا يدري، بحيث تجعل اهتمامه ينصب على البحث عن الإثارة والشعوذة والفضائح، بدل الاهتمام بما يعزز وضعه المعيشي وثقته بدولته ومجتمعه ومستقبله، وهو واقع لا يمكن فصله عن تراجع الدور التوجيهي للنخبة الوطنية.

إن الإجابة الجوهرية عن هذا الاختلال تكمن، للأسف، في موقف النخبة، التي تخلّت عن دورها القيادي والتنويري، وفضّلت الاندماج في المشهد بدل قيادته. لقد تنازلت عن واجبها الوطني تجاه المجتمع وقيمه، وأهدرت رصيد الثقة الذي كان الشعب يضعه فيها، بعدما كانت تمثل القدوة والأمل وأفق المستقبل.

فالدولة، مهما بلغت درجة وطنية وإرادة أو كفاءة القائمين عليها، لا يمكنها أن تنجح دون نخبة فاعلة وواعية، إذ تشكل هذه الأخيرة الوقود الحقيقي لأي نظام سياسي أو اجتماعي. ورغم ما حققته موريتانيا من تقدم ملحوظ في مسارات التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، واستعدادها لحوار وطني شامل يُعد فرصة نادرة في توقيته ومضامينه، فإن غياب الدور الفاعل للنخبة يظل عائقًا ثابتًا أمام تحقيق تحول شامل ومستدام.

وفي ظل التحولات الاقتصادية المرتقبة، والإصلاحات الاستراتيجية القائمة، ومع تصدير الغاز الطبيعي، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة جادة لدور النخبة الوطنية، وإعادة تحميلها مسؤولياتها التاريخية، حتى يكون الصعود المقبل صعودًا متكامل الأركان، قائمًا على الوعي، ومحصّنًا بالقيم، وقادرًا على خدمة حاضر الوطن ومستقبله.

 

محمد ولد كربالي

عضو المجلس الوطني لحزب الإنصاف